السلام عليكم ورحمة الله
نقلت لكم اليوم موضوع هام يتعلق بموقف الإسلام من الاستنساخ
كان الإعلان عن نجاح تجربة استنساخ النعجة التي أطلق عليها اسم " دوللي " صدى بعيد في جميع أرجاء العالم على مختلف المستويات العلمية والدينية والشعبية ، وكان هذا في الواقع حدثا خطيرا مثيرا للجدل والنقاش وللعديد من التساؤلات في أوساط الخبراء والعامة على حد سوء ولا يزال كثير من المهتمين بمتابعة هذا الحدث يتساءلون عن
ماهية وحقيقة الاستنساخ وكيف يحدث؟
وما هي الفوائد التي يمكن أن تعود على البشر من نتائج البحث العلمي في هذا المجال ؟
وهل سيقدم العلماء على مغامرة البحوث المؤدية إلى استنساخ البشر ؟
وما مدى إمكان تحقيق ذلك في المستقبل القريب أو البعيد؟
وما موقف العلماء والخبراء لاسيما علماء الدين والقانون ورجال الحكم والسياسة في هذا الصدد ؟
وما هي الآثار المتوقعة في مختلف جوانب الحياة الإنسانية ؟
وهل سيفلت الزمام من يد الإنسان بفعل الإنسان نفسه ؟
هذه التساؤلات وغيرها تنم عن مشاعر القلق والخوف من الغيب المجهول بسبب تطور البحث العلمي ونجاحه في استنساخ النعجة المذكورة ،لأن المتبادر إلى الذهن بداهة أن الإنسان يمارس البحثي العلمي في شتى المجالات سعيا وراء الوصول إلى نتائج تسخر لخدمة الإنسان ، وتحسين مستوى معيشته ، وأسلوب حياته ، وهذا أمر مفروغ منه وغير قابل للجدل ، فجميع الاكتشافات والاختراعات في مجالات الزراعة والصناعة والطب والعلاج وغيرها تؤكد ذلك
ومن هنا نجد أن اتجاه الإنسان إلى البحث العلمي كان ولا يزال يستهدف خدمة الإنسان وهذا هو المسار الطبيعي لتطور العلم ، وتقدم البحوث العلمية ، والتواصل إلى التقنيات الحديثة المتقدمة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة على حد التعبير الشائع المعروف . فإذا حاول الإنسان أن ينحرف عن هذا المسار الطبيعي ليمارس أبحاثا تكون نتائجها شرا ووبالا على جميع البشر فتلك هي الطامة الكبرى ، ولعلها إذن تكون بداية النهاية ، ونذير الفناء المرور لسكان الأرض قاطبة

الإسلام يشجع البحث العلمي
كلنا نعرف أن الإسلام يحترم العقل ويدعو إلى العلم والمعرفة ، ويشجع البحث العلمي في شتى المجالات ، في إطار مقاييس وضوابط تضمن الحفاظ على القيم السامية والمبادئ النبيلة التي تليق بكرامة الإنسان ، وتاريخ الحضارة الإسلامية حافل بالرواد العظام من العلماء والباحثين والمفكرين الذين أسهموا بقسط وافر في تطور الحضارة الإنسانية ، وكانت إنجازاتهم هي القاعدة العريضة الراسخة التي قامت عليها البحوث العلمية الحديثة في الشرق والغرب
فالإسلام إذن يرعى العلم ويكرم العلماء تقديرا للدور العظيم الذي يقومون به -عن طريق العلم - لخدمة الإنسانية وتقدم الحياة . والنصوص الواردة في هذا الصدد من القران الكريم والسنة المطهرة كثيرة معروفة ومنها ( شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم ) ( أل عمران 18 ) فقد جعل الله العلماء مع الملائكة ، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم ، والعلم المقصود هنا هو العلم الذي يسخر لصالح البشر ، لان الله سبحانه وتعالى أراد الإنسان فقط أن يكون هو المستخلف في هذه الأرض لعمارتها وإسعاد البشر جميعا ، وتحقيق ذلك يكون عن طريق العلم الذي يقدر عظمة الله سبحانه وتعالى ، ويسير طبقا للقوانين والنواميس التي أرادها الله سبحانه وتعالى ، فهو العلم القائم على الإيمان الراسخ والعقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة ويستهدف نفع البشرية
إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ، ثم سواه ونفخ فيه من روحه ، ثم خلق الجنس الآخر وهو المرأة ، ثم أراد لهذا النظام - نظام الزواج - أن يكون بطريقة التناسل ، وهو الطريق الطبيعي " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " ( الروم 21) وقد أدى انحراف الناس ، وبعدهم عن هذا النظام إلى انحلال الاجتماعي ، وكثرة القتل ، والسفاح ، وتفشي الأمراض الفتاكة ، ومن هنا كان على خبراء البحث العلمي من المسلمين وعلماء الدين الإسلامي عقيدة وشريعة ونظاما شاملا لمختلف شؤون حياة البشر أن يكون لهم موقف واضح من نتائج البحث العلمي الذي توصل إلى استنساخ النعجة " دوللي " والآثار المترتبة عليه ، والتطورات المتوقعة في المستقبل القريب والبعيد ، وذلك من منطلق الحرص على أن يظل البحث العلمي ماضيا في مساره الطبيعي الذي أشرنا إليه ، ومسخرا لخدمة البشر ، ومحافظا على المبادئ السامية والقيم الرفيعة التي أقرها الإسلام والأديان السماوية الأخرى

أهداف العلم السليم
لا تعارض إذن بين الإسلام والعلم السليم الذي يستكشف أسرار الكون وأسرار الحياة ، ويجعلها ننظر إلى الكون ونقول ما أبدع صنع الله الذي أتقن كل شيء ، فالعلم السليم يدعو للإيمان ، والعالم الحقيقي إنسان مؤمن يدرك عظمة الله وقدرته من وراء أبحاثه العلمية والمشكلة ليست في العلم ذاته وإنما في الأخلاقيات والضوابط التي تحكم البحث العلمي واستخدام نتائجه وإنجازاته ، والاستنساخ يتعارض مع سنن الله في الخلق والتناسل ، حيث يؤدي إلى الإخلال بالعلاقة بين الرجل والمرأة ، ويلغي دور الأسرة لأن هذا المستنسخ ليس له أب أو أم ولا يشعر بالانتماء لأسرة ، كما أن الاستنساخ يلغي غريزة الأبوة والأمومة وفيه خلط الأنساب ، وفيه طفل ينسب إلى أمه فقط وليس إلى أبيه ، وبذلك يفتح باب الفوضى الاجتماعية على مصراعيه ، ويؤدي إلى أوضاع لا تنفع معها النظم والقوانين القائمة في العالم المعاصر ، وهذا يتعارض مع الشرائع السماوية والقوانين والنظم الوضعية ، مع أهداف العلم السليم الذي يجب أن يستخدم لخير البشرية وإسعاد الإنسان ودعم الإيمان

ندوات علمية
ولقد كان رد الفعل المبدئي لإعلان خبر الاستنساخ النعجة دوللي التي حظيت بتغطية إعلامية ربما لم يحض بها حيوان آخر من قبل - أن بادرت بعض الهيئات المعنية بعقد ندوات علمية في القاهرة والكويت وقطر والدار البيضاء وجدة في الفترة من مارس إلى يوليو 1997 م واشترك فيها عدد من الخبراء البارزين في مجال الطب والهندسة الوراثية والاجتماع والشريعة الإسلامية وغيرها ودارت مناقشات مستفيضة حول بعض جوانب القضية بصفة عاجلة لمحاولة التعرف على الآثار المتوقعة من احتمال الإقدام على ممارسة الاستنساخ بالنسبة للإنسان ، وما يمكن أن تنطوي عليه من أخطار جسيمة ، مما دعا بعض الدول الغربية إلى منع التجارب البشرية أو تجميدها سنوات حتى تتم الدراسات المطلوبة ، ويتم وضع الضوابط الشرعية والقانونية والأخلاقية الكفيلة بمنع حدوث أي تطورات أو استخدامات تصطدم بالمقررات الدينية والنظم الثابتة للحياة،وأوضحت تلك الندوات أن من بين الآثار الخطيرة المتوقعة نتيجة استنساخ البشر - العدوان على ذاتية الفرد ومميزاته وخصوصياته وخلخلة الهيكل الاجتماعي المستقر ، ونسف أسس الأنساب والقرابات وصلات الأرحام والكيان الأسري المتعارف عليه في الشريعة الإسلامية والأديان السماوية الأخرى ، والذي يعتبر أساسا سليما لتكوين المجتمع ، وتحديد العلاقات بين أفراده ،وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات وفقا للأحكام الشرعية المقررة بالنسبة للقرابات ، والزواج ، والمواريث ، والمسؤولية والجزاء ، والشؤون المدنية والجنائية ، بالإضافة إلى طائفة من الأحكام العقائدية الافتراضية التي لا نهاية لها

فوضى مطلقة
إذا أمكن تطبيق الاستنساخ عمليا علي الإنسان ، فإن النسخ التي تنشأ عن ذلك ستكون متشابهة تماما ، مما يؤدي إلى عدم إمكان تحديد الهوية الشخصية ، وضياع المسؤولية القانونية في مختلف المعاملات والممارسات ، وخاصة عن ارتكاب الجرائم ، وهذا يعني شيوع الفوضى المطلقة في الحياة البشرية كما أن الاستنساخ يؤدي إلى ضياع الأنساب ، وتفويض دعائم الأسرة التي تعتبر الوحدة الأساسية للكيان الاجتماعي . ومن ثم فإن استنساخ البشر يتعارض تماما مع أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها المقررة للتناسل والتكاثر بطريق الزواج الشرعي المعروف بشروطه وحدوده ونظامه ، كما يتعارض مع النصوص المتعلقة بحفظ الأنساب، مثل قوله تعالى " أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ( الأحزاب 5) وقوله " إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ( المجادلة 2) فالأسرة المتكاملة فيها أب وأم ونسل . والمسؤولية القانونية جنائية كانت أم غير جنائية تقع على الشخص الفاعل نفسه، وهو الذي يتحمل عاقبة أمره فحين تتشابه النسخ البشرية يتعذر تحديد المسؤولية ومعرفة صاحب الشأن وواضح أن هذا يتعارض مع النصوص الصريحة كما في قوله تعالى كل نفس بما كسبت رهينة " المدثر 38 قوله "ولا تزر وازرة وزر أخرى "الأنعام 164 بل بتعارض مع القوانين الوضعية أيضا

كرامة الإنسان
والاستنساخ يؤدي إلى امتهان كرامة الإنسان والى تشويه خلقه وصورته وقد كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان وخلقه في احسن تقويم ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا الإسراء 70 وقوله لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم ( التين 4 ) وقد اعتبر التشويه والتغيير في خلق الله من عمل الشيطان ، كما وصف القران ذلك على لسان الشيطان " إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ، لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ، ولأضلهم ولأمنيهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا

سنن الله
وتغيير خلق الله يعني تغيير المنهج والسلوك والنظام الاجتماعي المقرر وفقا لسنن لله ونواميسه في الخلق والحياة وحدوث مثل هذا التغيير يؤدي إلى فساد كبير
ولقد حذر الله سبحانه الإنسان من تجاوز حدوده ، وبين أن الخلق بيد الله سبحانه وتعالى وحده ، وتحدى القران الكريم الناس في ذلك " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ،إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ، ضعف الطالب والمطلوب ( الحج 73) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين لقمان :11
ولقد حرص الإسلام على صيانة فطرة الإنسان سوية مستقيمة من خلال المحافظة على المقاصد الكلية الخمسة - التي ألا تستقيم الحياة بدونها - وهي حفظ النفس والعقل والدين والمال والنسل ، فإذا حدث إخلال بواحدة منها فسدت الحياة . وقضية استنساخ البشر فيها اعتداء على بعض هذه الكليات الأساسية الضرورية للمجتمع كما ذكرنا ، وتتعارض مع الأدلة العقلية والنقلية والمبادئ والقوانين والمقومات الأساسية في حياة الإنسان ، كما تتعارض مع سنن الله في الخلق ونظام الحياة القائم على تباين المخلوقات واختلافهم في الشكل واللون وكثير من الصفات والمميزات الدقيقة كقوله تعالى " من آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم " الروم 22 كما أن من سنن الله خلق الكون كله أزواجا بما في ذلك النبات والحيوان والإنسان كما قال تعالى " ولله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا " ( فاطر :11 ) وفي آية أخرى " وخلقناكم أزواجا " ( النبأ :8) وقال أيضا " ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " ( الذريات49) ووجه الله أمره لنبيه نوح عليه السلام قائلا :" احمل فيها من كل زوجين اثنين " ( هود 40) ومحاولة إبطال قاعدة الزوجية في الكون والحياة تعتبر مخالفة لسنن الله وتؤدي إلى تدمير الحياة ، ومن سنن الله أن يجعل أساس بناء المجتمع الإنساني ، الأب والأم هما ركن الأسرة ، ويتم التناسل وتكاثر البشر من خلالهما بطريقة دقيقة محكمة تضمن المحافظة على استمرار الحياة الإنسانية وفق منطق الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها

بعد هذا البيان والعرض الموجز لبعض جوانب هذا الموضوع المثير يمكننا أن نتخلص إلى نتيجة واضحة مؤكدة وهي أن محاولة استنساخ البشر ليست في مصلحة البشر وفقا لموقف الإسلام والأديان الأخرى ، ووفقا للمقاييس والمبادئ المتعارف عليها في العالم المعاصر ، وان محاولة الإقدام عليها يفتح بابا واسعا لاحتمالات المستقبل المجهول قد يصعب أو يستحيل فيما بعد إغلاقه . وإذا كان هناك من يرى احتمال الانتفاع بنتائج البحث العلمي الاستنساخ أجزاء معينة تستخدم في الطب والعلاج بزرع الأعضاء وعلاج العقم ونحو ذلك ، فليس لدينا وسائل مؤكدة تضمن التحكم في خط السير والسيطرة على محاولات العلماء في تطوير بحوثهم العلمية ، وحماسهم الشديد للكشف عن المزيد من الجديد - سواء كان نافعا أم ضارا - ومن ثم فان الخير كل الخير ألا يقدم الإنسان على مثل هذه المغامرة الخطيرة التي تنذر بعواقب وخيمة قد تكون بداية النهاية لحياة الإنسان على هذه الأرض


المصدر .مجلة صحتك اليوم للأستاذ محمد تقي الدين قنديل



l,rt hgYsghl lk hghsjksho